ابن رشد

134

تهافت التهافت

بجملته ، أن اعتقدوا أنه بسيط كما يعتقدون في الجوهر الذي لا يتجزأ ، وإن كان ذلك كذلك ، فهذا النوع من الفاعل إنما يغير العدم إلى الوجود عند الكون ؛ أعني كون الجوهر الغير المنقسم الذي هو عندهم اسطقس الأجسام ، أو يغير الوجود إلى العدم عند الفساد ؛ أعني عند فساد الجزء الذي لا يتجزأ ، وبيّن أنه لا ينقلب الضد إلى ضده ، فإنه لا يعود نفس العدم وجودا ، ولا نفس الحرارة برودة ، ولكن المعدوم هو الذي يعود موجودا ، والحارّ باردا والبارد حارا ولذلك قالت « المعتزلة : أن العدم ذات ما ، إلا أنهم جعلوا هذه الذات متعرية من صفة الوجود قبل كون العالم . والأقاويل التي ظنوا من قبلها أنه يلزم عنها أنه لا يكون شيء من شيء هي أقاويل غير صحيحة وأقنعها أنهم قالوا : لو كان شيء عن شيء لمر الأمر إلى غير نهاية . والجواب أن هذا إنما يمتنع من ذلك ما كان على الاستقامة لأنه يوجب وجود ما لا نهاية له بالفعل ، وأما دورا فليس يمتنع مثل أن يكون من الهواء نار ومن النار هواء إلى غير نهاية والموضوع أزليا . فإن معتمدهم في حدوث الكل هو أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وأحد ما ، يلزمهم من الفساد في هذا الاستدلال إذا سلمت لهم هذه المقدمة هو أنهم لم يطردوا الحكم لأن ما لا يخلو عن الحوادث في الشاهد هو حادث على أنه حادث من شيء لا من لا شيء ، وهم يضعون أن الكل حادث من لا شيء ، وأيضا فإن هذا الموضوع عند الفلاسفة وهو الذي يسمونه المادة الأولى ليس يخلو عن الجسمية ، والجسمية المطلقة عندهم غير حادثة ، والمقدمة القائلة أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث ليست صحيحة إلا ما لا يخلو عن حادث واحد بعينه ، وأما ما لا يخلو عن حوادث هي واحدة بالجنس ليس لها أول فمن أين يلزم أن يكون الموضوع لها حادثا . ولهذا لما شعر بهذا المتكلمون من الأشعرية أضافوا إلى هذه المقدمة مقدمة ثانية : وهو أنه لا يمكن أن توجد حوادث لا نهاية لها ، أي لا أول لها ولا آخر ، وذلك هو واجب عند الفلاسفة . فهذه ونحوها هي الشناعات التي تلزم وضع هؤلاء ، وهي أكثر كثيرا من الشناعات التي تلزم الفلاسفة . ووضعهم أيضا أن الفاعل الواحد بعينه الذي هو المبدأ الأول هو فاعل لجميع ما في العالم من غير وسط ، وذلك أن هذا الوضع يخالف ما يحس من فعل الأشياء بعضها في بعض ، وأقوى ما أقنعوا به في هذا المعنى أن الفاعل لو كان مفعولا لمر الأمر إلى غير نهاية ، وإنما كان يلزم ذلك لو كان الفاعل إنما هو فاعل من جهة ما هو مفعول ، والمحرك محرك من جهة ما هو متحرك ، وليس الأمر كذلك ،